مقال بين سرعة الإنترنت وبطء التوبة..!!


الداعية أبوعبدالله

مشرف المنتديات العامة
طاقم الإدارة
فريق الإشراف
الكاتب
إنضم
20 يونيو 2021
المشاركات
2,372
الحلول
2
مستوى التفاعل
2,241
النقاط
0
العمر
65
الإقامة
سويسرا
الموقع الالكتروني
www.youtube.com
الجنس
imagef-177969121485511-png.html





نعيش في زمنٍ أصبحت فيه السرعة عنوانًا لكل شيء.

فبضغطة زر تصل رسالتك إلى أقصى الأرض، وخلال ثوانٍ معدودة تنتقل الأخبار بين القارات، وأصبح العالم كله في متناول اليد بعد أن كانت المسافات تُقطع بالأيام والشهور.

اليوم نستطيع مشاهدة حدثٍ يقع في أقصى الأرض لحظة وقوعه، ونستطيع إرسال رسالة أو صورة أو مقطع مرئي خلال ثوانٍ قليلة، بل إن بعض الناس يضيق صدره إذا تأخر تحميل صفحة أو مقطع لبضع لحظات.

لقد تسارعت الدنيا من حولنا بشكلٍ مذهل، وأصبحت السرعة مطلبًا في كل أمور الحياة.

لكن وسط هذا التسارع الكبير يبرز سؤال يحتاج إلى وقفة صادقة مع النفس:

إذا كنا نسابق الزمن في أمور الدنيا، فلماذا نتباطأ في أمور الآخرة؟

كم من إنسان إذا أراد أمرًا من أمور دنياه بادر إليه فورًا، ورتب له وقته وجهده وماله، أما إذا تعلق الأمر بالتوبة إلى الله عز وجل، أو المحافظة على صلاة، أو ترك معصية يعلم أنها لا ترضي ربه، بدأ يؤجل ويؤجل.

يقول في نفسه:

سأتوب غدًا...

سألتزم عندما تتحسن ظروفي...

سأبدأ عندما أتفرغ...

سأفعل ذلك عندما أكبر في السن...

وكأن أحدًا منا يملك عهدًا بأن يعيش إلى الغد.

إن من أعظم مداخل الشيطان على ابن آدم التسويف، فكم من إنسان كان ينوي الخير ولكن الأماني الطويلة أخرت خطواته حتى باغته الأجل.

وقد ذكرنا الله عز وجل بحقيقة لا يغفل عنها إلا غافل

فقال سبحانه:

﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
سورة لقمان، الآية 34.


فالأعمار تمضي سريعًا، والأيام تتعاقب تباعًا، وما كان بالأمس مستقبلًا أصبح اليوم ماضيًا.

وكم من أناس كانوا بيننا يخططون لأيامٍ وسنوات قادمة، ثم جاءهم أمر الله قبل أن يحققوا ما تمنوا.

وليس المقصود من هذا المقال أن يعيش المسلم في خوفٍ دائم أو يأسٍ وقنوط، فديننا دين الرجاء كما هو دين الخوف.

بل المقصود أن نستيقظ من غفلتنا قبل أن يسبقنا العمر.

فربنا سبحانه وتعالى أرحم بنا من أنفسنا، وقد فتح باب التوبة لعباده مهما عظمت ذنوبهم.

قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
سورة الزمر، الآية 53.


ما أعظم هذا النداء الرباني!

فهو نداء لكل مقصر، ولكل مذنب، ولكل من أثقلته هموم الذنوب، أن يعود إلى ربه ولا ييأس من رحمته.

وقد قال النبي محمد عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الأخيار:

«كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون»
رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني
.

فليس الكمال مطلوبًا من البشر، وإنما المطلوب أن يعودوا إلى ربهم كلما أخطؤوا.

فلنقف مع أنفسنا وقفة صدق.

ولنسألها:

كم ساعة نقضيها أمام الشاشات؟

وكم دقيقة نقضيها مع كتاب الله؟

كم نهتم بأخبار الناس؟

وكم نهتم بإصلاح قلوبنا؟

كم نسارع إلى أمور الدنيا؟

وكم نتباطأ في أمور الآخرة؟

إن التوبة ليست حرمانًا من الحياة، بل هي حياة جديدة للقلب.

وليست نهاية الفرح، بل بداية الطمأنينة الحقيقية.

فمن عرف طريق الله عز وجل وجد راحةً لا تُشترى بالأموال، وسعادةً لا تمنحها الدنيا مهما اتسعت.

فلا تؤجل توبة اليوم إلى الغد، ولا تؤخر عمل الخير إلى وقتٍ لا تعلم هل ستبلغه أم لا.

ابدأ بخطوة صادقة، ولو كانت صغيرة، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

نسأل الله عز وجل أن يرزقنا توبةً نصوحًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

فإن أحسنت فمن فضل الله عليّ، وإن أسأت فمن نفسي والشيطان.

ومن تواضع لله رفعه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده المتواضعين المخلصين.

الفقير إلى عفو ربه
أبوعبدالله

imagef-177969125589251-png.html
 
عودة
أعلى أسفل